ابن العربي
112
أحكام القرآن
وأمّا إن تمكّنت من ماله بما ليس من جنس مالك فاختلف العلماء ؛ فمنهم من قال : لا يؤخذ إلّا بحكم حاكم ، ومنهم من قال : يتحرّى « 1 » قيمته ويأخذ مقدار ذلك ، وهو الصحيح عندي . وأما إن أخذ عرضك « 2 » فخذ عرضه لا تتعدّاه إلى أبويه ولا إلى ابنه أو قريبه . لكن ليس لك أن تكذب عليه ، وإن كذب عليك ، فإنّ المعصية لا تقابل بالمعصية ؛ فلو قال لك مثلا : يا كافر ، جاز لك أن تقول له : أنت الكافر ؛ وإن قال لك : يا زان ، فقصاصك أن تقول : يا كذّاب ، يا شاهد زور . ولو قلت له : يا زان ، كنت كاذبا فأثمت في الكذب ، وأخذت فيما نسب إليك من ذلك ، فلم [ 60 ] تربح شيئا ، وربما خسرت . وإن مطلك وهو غنىّ دون عذر قل : يا ظالم ، يا آكل أموال الناس . قال النبي صلى اللّه عليه وسلم في الصحيح : لىّ الواجد « 3 » يحلّ عرضه وعقوبته . أما عرضه فبما فسرناه ، وأما عقوبته فبالسجن حتى يؤدّى . وعندي أن العقوبة هي أخذ المال كما أخذ ماله ، وأما إن جحدك وديعة وقد استودعك أخرى فاختلف العلماء فيه ؛ فمنهم من قال : اصبر على ظلمه ، وأدّ إليه أمانته ، لقول النبىّ صلى اللّه عليه وسلم « 4 » : أدّ الأمانة إلى من ائتمنك ، ولا تخن من خانك . ومنهم من قال : أجحده ، كما جحدك ؛ لكن هذا لم يصح سنده ، ولو صح فله معنى صحيح ، وهو إذا أودعك مائة وأودعته خمسين فجحد الخمسين فاجحده خمسين مثلها ، فإن جحدت المائة كنت قد خنت من خانك فيما لم يخنك فيه ، وهو المنهىّ عنه . وبهذا الأخير أقول . واللّه أعلم . المسألة الثانية - قوله تعالى : فَمَنِ اعْتَدى عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدى عَلَيْكُمْ . هذه الآية عموم متّفق عليه وعمدة فيما تقدم بيانه وفيما جانسه . المسألة الثالثة - قوله تعالى : فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدى عَلَيْكُمْ . هذه مسألة بكر . قال علماؤنا رحمة اللّه عليهم : إنما سمّى الفعل الثاني اعتداء ، وهو مفعول بحقّ ، حملا للثاني على الأول على عادة العرب . قالوا : وعلى هذا جاء قوله تعالى « 5 » : وَجَزاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُها .
--> ( 1 ) في ا : تحرى . والمثبت من ل . ( 2 ) هنا في هامش م : مسألة فيمن أخذ عرض رجل هل له أن يأخذ عرضه . ( 3 ) اللى : المطل . الواجد : القادر على قضاء دينه . ( 4 ) خرجه الدارقطني وغيره . ( 5 ) سورة الشورى ، آية 40